محمد بن زكريا الرازي

64

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

وقد « 1 » ضمنّا في أوّل هذا الكتاب أن لا نتعلّق فيه من الكلام إلا بما لا بدّ منه في غرضه « 2 » الذي أجريناه إليه ، ومن قبل ذلك نتجاوز الكلام في هذا المعنى ونصير إلى ما هو المقصود المطلوب بكتابنا هذا . على أنه قد يمكن من كان به أدنى مسكة من علم الفلسفة أن - يستنبط ويستخرج هذا المعنى من الرسم الذي رسمنا به الغمّ في أوّل هذا الكلام ، إلّا أنّا نحن ندع ذلك ونتجاوزه إلى ما هو المطلوب بهذا الكتاب فأقول : إنه « * » لمّا كان الغمّ يكدّر الفكر والعقل ويؤذى النفس والجسد حقّ لنا أن نحتال لصرفه ودفعه أو التقليل « 8 » منه والتضعيف له ما أمكن . وذلك يكون من وجهين ، « 9 » أحدهما بالاحتراس منه قبل حدوثه لئلّا يحدث أو يكون ما يحدث أقلّ ما يمكن ، والآخر دفع « 10 » ما قد حدث ونفيه إمّا كلّه وإما أكثر

--> ( 1 ) وقد ذكرنا في أول الكتاب ق ف - ( 2 ) في الغرض ق ف - أجزينا به إليه ق ف - ( 8 ) والتقليل ق ف - ( 9 ) من جهتين ق ف - يكون ما حدث منه ق ف - ( 10 ) دفع ما حدث منه ق ف ( * ) هاهنا استأنف ما اقتبسه الكرماني من هذا الفصل وتصل روايته إلى ص 65 س 9 ( « عند فقدها » ) . وقال الكرماني ردّا على الرازي : وقوله في الفصل الثاني عشر في دفع الغمّ « إن الأكثر غما من كانت محبوباته وملكاته أكثر ، والأقل غما من كانت محبوباته ومقتنياته أقل ، وبحسب كثرتها وقلتها عند فقده إياها يكون غمه » وإن كان صحيحا وحقا صريحا فليس مما ينفع أو يكون طبا روحانيا ، بمجرد قوله بعثا للنفس على قطع موادّ الهموم والغموم عنها بالامتناع عن الجمع والتموّل ، مع العلم بعجزها عن مخالفة ذاتها فيما تهواه وقلة إمكانها الإمساك عن استحسان ما تفعله واستصواب ما تأبيه وتذره ، كالسكران الذي لا يفعل إلا ما يريده ولا يستحسن إلا ما يفعله غير مفكر فيما يعقبه فعله ، مع اليقين بأنها لو ملكت المشرق لنازعتها ذاتها إلى أن تملك المغرب على ما تقدم من القول على مثله . وإنما يكون طبا روحانيا ما كان فاعلا في ذات النفس ما تصير به قالية للمذام تاركة ما يوجبه هواها من الأمور المخالفة لأوامر اللّه في مناسك دينه على ما نبينه كما وعدنا في صدر الكتاب . وما تضر نفسا ملكاتها ومحبوباتها ما حافظت على إقامة مناسك الدين وسننه فجعلتها قطبا تدور عليه في أفعالها وأنحائها ، فتكون لها آلة في إصلاح ذاتها وعمارة آخرتها